الأربعاء، 25 نوفمبر 2015

كوخ العم توم - رواية




أنا الأفضل أنا الأكمل أنا المفضل عند الله ، والدليل : ميلادي! لماذا أنت مستغرب؟ علمك، قوتك، أخلاقك، جمالك، مساعدتك للبشرية... !!! لا تساوي شيء أمام حسبي ونسبي وعرقي وبشرتي! باسمهما أخضعت العالم لقرون، فأجلدهم وأقول هذا حقي، أحرقهم وأقول هذا حقي، أبيع وأشتري فيهم، وأربطهم كالدواب وأفصل الأبناء عن أمهم لأنه حقي حقي حقي!!!! ومستعد للدفاع عن حقي ومن يمسه سأثور بوجهه ! بالطبع لن أخجل!! ماذا تقول؟ ولماذا أخجل؟! أنا لا أفهم! لماذا تريد أن تجردني من حقي ؟! آه يا أحمق ثم آه... للقدير سأشكو وأدعي: اللهم زل الغمامة عن أعينهم ليدركوا حقي الطبيعي  اللهم لا تجبرني على قتالهم! ليس ذنبي إن ولدوا أقل مني! آه إن قلبي يعتصر ألما ، إن دموعي تنحدر! آه ساعدهم يا إلهي ليدركوا، أنا الأفضل أنا الأكمل والدليل: ميلادي! 






 رواية الخزي الإنساني

يقال بأن مهمة الأدب الحقيقية هي أن يعكس صورة المجتمع بصدق لأفراده، بوضوح وبعمق، يرسل لنظامك العصبي رسالات تجبرك على مواجهة ذاتك المتخفية في ثنايا الروتين اليومي للحياة، ومن الأعمال التي أدت هذه الرسالة وخلدت كانت رواية "كوخ العم توم" للكاتبة هيرت ستو ، إذ أنها تغلغلت في المجتمع الأمريكي في أوج العبودية الأمريكية ، ويقال بأنها كانت سببا في اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية  ، لكن لا يمكن القطع في هذه المسائل حتى باستخدام مسوحات الرأي ، لأن أثر الكلمة غير قابل للقياس، وأحيانا حتى القارئ نفسه لا يدرك ذلك الأثر، ولربما كانت الكلمات تحرر شيء في داخل الإنسان أو توجد شيء لم يكن، لكن الأكيد أن لها قيمة وترجمات لا تحصى.

القلب والأمل
كأي رواية، لها أبطال: الرئيسي هو العم توم، لكن البطلين الحقيقين هما خيطان نسجت من خلالهما الرواية معروفان باسم : القلب والأمل، فضربة بعد الضربة يتلقاها العم توم، إلى أن يتحول قلبه إلى شظايا، لكن روحه لا تنفك تزوده بالبلسم ، بالأمل ، وهكذا غدت حياته ألم مزمن تعود عليه وأصبح جزء من هويته! هذه هي مأساة العم توم الحقيقية، مأساة قلب ينبض رغم الجروح، قلب أقوى من أن يهزمه نظام رق، ويأبى إلا أن يموت وهو يحتضن الألم، وكأنه ينتظر منه موقفا مشرفا على وفائه، هذا كان توم، وهذه هي قصته:

العم توم

 وجد توم في الزمان والمكان اللذان أجبراه على أن يصبح العم توم! فمصيره تحدد ببساطة بسبب لون بشرته ضمن النظام الذي أوجدته غفلة الضمير الإنساني ، ولم يتعود توم على أن يكون ملكا لأحد فحسب بل كان وفيا، وكان لا يدخر مجهودا في خدمة سيده وسيدته اللذان كانا - وبالمقارنة مع السواد الأعظم - من أفضل الأسياد! إلا أن النظام أقوى، والسيد الأبيض كان السيد الأبيض، فعندما حلت أزمة مالية على السيد شبلي - مالك توم- قرر أن يبيع الأخير بالرغم من تقدم سنه، والعشرة الطويلة، ومعارضة زوجته وابنه، خضع السيد شبلي لإغراء المال ، وباع توم ، وفطر قلب زوجة توم وزوجته وابنه الذي لحق بتوم وبصدق الطفوله المجروح وعده بأنه سيخلصه يوما ما من أسر العبودية ، ويهديه الأمل بقطعة نقود معدنية ليعلقها على صدره وتبدأ مع هذا الحدث الرحلة، وترى توم الأبي، قوي البنية، الوقور، يتحمل بصبر، ولا يتخلى عن إيمانه، بينما زوجته وبعد أن طرقت جميع الأبواب طلبت من سيدتها أن تسمح لها بأن تؤجرها لتعمل وتجمع ما يكفي لإعتاق رقبة زوجها، فهنا كد وعمل وهناك كد وعمل، ولأجل ماذا؟ لأجل أن يصبح سيد نفسه في عالم ينظر له على أنه ملكية خاصة.

زوجة توم تكوي له قميصه بعد تلقيهما نبأ بيعه 


الطفلة الشقراء والخيارات الأخرى في الحياة


وعلى السرير تنام الطفلة الشقراء التي كانت الشيء الوحيد الذي يهون على توم فاجعته، وتعرف السر في المشهد بعد أن تتعلق بها ، فإيفا كانت لها هالة ملائكية، و تجعلها الرواية رمزا للدين المسيحي، فلا يرتاح توم إلا عندما تكون معه، تقرأ له الكتاب المقدس وتعلمه، تسأل وتجاوب، وتحاور، لكن الروايه إن خطفت قلبك في موضع، تحرقه في موضع آخر! فلا سكينة لتوم ، ولا هدوء واستقرار، وإن رضي بالقليل فإن القليل يتسرب من بين أصابعه، لكنه لم يفقد الأمل ولم يفقد إيمانه، وظل مخلصا لما اعتقده حبا، ووفيا لما ظنه عملا،  وفي المقابل تضافر عليه العالم ، وأثر على ميزان الحب والوفاء في حياته، فمالت كفة على أخرى، وانتصر العطاء.

أما بالنسبة لبقية الشخصيات فنجد أن الرواية زاخرة بمختلف الخيارات، فمن الرقيق من فقد إيمانه بعد أن ذاق طعم الظلم والذل بكل نكهاته الأرضية، ونجد الأم التي رمت نفسها في التهلكة لإنقاذ فلذة كبدها ، وتطير من السعادة ظنا منها أنها وصلت إلى بر الأمان، و تجد من ثار وبالسلاح هرب واسترد حقه بالقوة، ولكل اختيار مسار، ولكل مسار ثمن، كما أن للحظ دور، وهي فكرة غير محببة لدى الإنسان لأن الحظ عشوائي بينما العدالة منظمه، لكنه عامل من عوامل الحياة، وفي الرواية.


إيفا - الطفلة الشقراء- وتوم




دعوة لقراءة العم توم 


مع العم توم لم أشأ أن أورد تفاصيل الرواية، لأني لا أريد أن أحرم أحدا من هذه التجربة، فإن عشت ضمن هذا العالم ستدرك أن الإنسانية شيء غريب! اليوم ننكر بعضا باسم العرق، غدا باسم الأيدلوجيا، والذي يليه باسم الدين، وهكذا ننتزع الصفة الآدمية من بعضنا البعض دائما باسم شيء ما، ودائما يكون هنالك تفسير مقبول ظاهريا لكن من يمعن التفكير أو حتى يتأمل يدرك أن باطنه مرض!  ولا جماعة معصومة أو محصنة ضد العنصرية، فإذا لم تكن في قلوبنا رحمة وفي عقولنا شيء من وعي، فلنقف  أمام التاريخ ليتجلى، لنرى ولنعش التجربة من خلال الأرواح والقصص التي عانت، لندرك الألم من خلالهم، لنتواضع أمامهم، لنعي بأن كلنا من آدم وآدم من تراب، وأن ظلم أخيك، لهو ظلم لنفسك.

نسخة رواية العم توم التي قرأتها ترجمة : ميخائيل حداد، مراجعة: ضياء قبيسي، الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع . 




ليست هناك تعليقات: